الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

424

تفسير روح البيان

إشارة إلى أنه تعالى اعطى الإنسان في الأزل حسن استعداد استدعى منه لقبول الفيض الإلهي وهو قوله تعالى لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثم للابتلاء رده إلى أسفل سافلين ثم آتاه من كل ما سأله من الأسباب التي تخرجه من أسفل سافلين وتصعده إلى أعلى عليين فإذا أمعنت النظر في هذه الآيات رأيت أن العالم بما فيه خلق تبعا لوجود الإنسان وسببا لكماليته كما أن الشجرة خلقت تبعا لوجود الثمرة وسببا لكماليتها فالانسان البالغ الكامل الواصل ثمرة شجرة المكونات فافهم جدا وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها لان نعمته على الإنسان قسمان قسم يتعلق بالمخلوقات كلها وقد بينا انها خلقت لاستكمال الإنسان وهذه النعمة لا يحصى عدها لان فوائدها عائدة إلى الإنسان إلى الأبد وهي غير متناهية فلا يحصى عدها وقسم يتعلق بعواطف ألوهيته وعوارف ربوبيته فهي أيضا غير متناهية إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ لنفسه بان يفسد هذا الاستعداد الكامل بالاعراض عن الحق والإقبال على الباطل كَفَّارٌ لا نعم اللّه إذ لم يعرف قدرها ولم يشكر لها وجعلها نقمة لنفسه بعد ما كانت نعمة من ربه كما في التأويلات النجمية وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ واذكر وقت قول إبراهيم في مناجاته اى بعد الفراغ من بناء البيت رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ [ اين شهر مكة را ] آمِناً أهله بحيث لا يخاف فيه من المخاوف والمكاره كالقتل والغارة والأمراض المنفرة من البرص والجذام ونحوهما فاسناد الامن إلى البلد مجاز لوقوع الامن فيه وانما الآمن في الحقيقة أهل البلد وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ يقال جنبته كنصرته واجنبته وجنبته اى أبعدته . والمعنى بعدنى وإياهم أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ واجعلنا منه في جانب بعيد اى ثبتنا على ما كنا عليه من التوحيد وملة الإسلام والبعد عن عبادة الأصنام قال بعضهم رأى القوم يعبدون الأصنام فخاف على بنيه فدعا يقول الفقير الجمهور على أن العرب من عهد إبراهيم استمرت على دينه من رفض عبادة الأصنام إلى زمن عمرو بن لحى كبير خزاعة فهو أول من غير دين إبراهيم وشرع للعرب الضلالات وهو أول من نصب الأوثان في الكعبة وعبدها وامر الناس بعبادتها وقد كان أكثر الناس في الأرض المقدسة عبدة الأصنام وكان إبراهيم يعرفه فخاف سرايته إلى كل بلد فيه واحد من أولاده فدعا فعصم أولاده الصلبية من ذلك وهي المرادة من قوله وَبَنِيَّ فإنه لم يعبد أحد منهم الصنم لاهى وأحفاده وجميع ذريته وذلك لان قريشا مع كونهم من أولاد إسماعيل عبادتهم الأصنام مشهورة واما قوله تعالى في حم الزخرف وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ فالصحيح ان هذا لا يستلزم تباعد جميع الأحفاد عن عبادة الأصنام بل يكفى في بقاء كلمة التوحيد في عقبه ان لا ينقرض قرن ولا ينقضى زمان الا وفي ذريته من هو من أهل التوحيد قلوا أو كثروا إلى زمان نبينا صلى اللّه عليه وسلم وقد اشتهر في كتب السير ان بعض آحاد العرب لم يعبد الصنم قط ويدل عليه قوله عليه السلام ( لا تسبوا مضر فإنه كان على ملة إبراهيم ) هذا ما لاح لي من التحقيق ومن اللّه التوفيق . وانما جمع الأصنام ليشتمل على كل صنم عبد من دون اللّه لان الجمع المعرف باللام يشمل كل واحد من الافراد كالمفرد باتفاق جمهور أئمة التفسير والأصول والنحو اى واجنبنا ان نعبد أحدا مما سمى بالصنم كما في بحر العلوم